|
وإذا كان الفرنسي جان بول غولتييه قد اعتاد
إثارة الدهشة بسبب تقديمه تشكيلات راقية من تصميمه تدلّ
على انتمائه إلى الدائرة المغلقة جداً التي تتضمّن أسماء
إي سان لوران قبل أن يتقاعد، وشانيل وديور وقلّة من الآخرين،
ها هو في هذه المرة قد تمادى في الإتجاه نفسه مقدماً البرهان
على طاقته الهائلة وعلى حسّه المرهف عبر مجموعة إستثنائية
من الفساتين والأنسامبلات بدت كنوع من التحدي تجاه الدور
الكبيرة بسبب اختياره التنازل عن أسلوبه التقليدي المبني
على الطراز الأوروبي بل الفرنسي البحت ليحل مكانه أسلوب
مستوحى من الشرق الأقصى، وكأنه أراد أن يبرهن أمام جون
غاليانو وباكو رابان وشيرير أنّه وإن أجاد الحفاظ على
التراث الموروث من عباقرة الأناقة الباريسية القديمة،
فهو يقدر بلا صعوبة على ابتكار موضة مختلفة تماماً ونابعة
من المذكرات التي جمعها طوال رحلاته في الشرق.
خير وريث
لجأت دار ديور مرة جديدة إلى المبتكر جون
غاليانو لتصميم تشكيلتها التي بدت إستعراضية ومسرحية في
إيحائها الذي يستمد جذوره من قبائل الإسكيمو ومن الهنود
الحمر، إضافة إلى موديلات تذكّرنا بزمن السبعينات حيث
موضة "الهيبيز" و"السايكدليك". وتمزج الموديلات المطروحة
بمهارة فائقة بين كلاسيكية الدار وحداثة أسلوب غاليانو،
وهي تشكّل ثروة حقيقة في الأقمشة والألوان والتطريز وساعات
العمل المطلوبة لإنجاز كمية التفاصيل المتوافرة في كل
فستان بحدّ ذاته. ويمكن ملاحظة عبقرية غاليانو في كونه
يلعب بالتفاصيل الصغيرة في إطار كل موديل حتى يبرز إمكانية
تطوير قطعة قماش صغيرة هي في الحقيقة من جزئيات أحد الموديلات،
إلى موديل في حدّ ذاته. وهو يطلب من المتفرجة إستخدام
ذكائها لإكتشاف ما يختبئ وراء الأنسامبل المقدم فوق المسرح.
وإذا عدنا إلى الوراء بعض الشيء في تاريخ دار ديور لاحظنا
كيف كان السيد كريستيان ديور شخصياً يفعل الشيء نفسه ولكن
مع موضة عصره، وغاليانو في النهاية خير وريث لأسلوب الماركة.
وعند جيفنشي حوّل جوليان ماكدونالد العارضات إلى أوروبيات
شرقيات على أيام ازدهار الشيوعية والإتحاد السوفياتي،
بكل ما في ذلك من قماش دافئ وفراء وقبعات طريفة.
الخيط العريض الملفوف
ومن ناحيته قدّم فرانك سوربييه تشكيلة مبنيّة
من حول الريش واستخداماته المتعددة، غير لجوئه إلى التطريز
بالخيط العريض الملفوف على غرار "السكوبيدو" المنتشر في
الستينات من القرن العشرين وتوصل إلى نتيجة مثيرة للإنتباه
وجذابة للغاية.
وربما أنّ دار شانيل على يد مبتكرها كارل لاغرفلد، هي
من الدور النادرة التي اكتفت بتقديم تشكيلة تتصف بشيء
من الكلاسيكية الغربية وكأن المبتكر إعتمد الإبتعاد عمّا
يفعله غيره وبالتالي أن يراعي علامة الماركة المميزة التي
فرضتها "مدموازيل شانيل" على أيامها.
وعند أونغارو لاحظنا أنّ المصمم فقد في هذه المرة المواصفات
الرئيسية التي اعتاد اتخاذها قاعدة لعمله مثل اختيار الأقمشة
المطبوعة واعتماد الألوان الممزوجة بعضها ببعض، وبدت التشكيلة
كأنها عبارة عن بحث حي أجراه المبتكر ليجرّب تغيير أسلوبه
ويعطي تصميماته هوية جديدة. وهذه الهوية في الحقيقة إيطالية
تذكّر بجذور صاحب الدار، ونسمح لأنفسنا بإتهام أو تحية
المبتكر سالفاتوري فيراغامو الإيطالي الثاني المشترك منذ
فترة وجيزة في حياة ونشاطات ماركة أونغارو، على الدور
الذي يلعبه بوضوح في التأثير على إيمانويل أونغارو وتذكيره
بهويته.
رقصة الفلامنكو ومصارعة الثيران
وغيّر الجنوبي كريستيان لاكروا (المولود
في مدينة أرل الفرنسية الجنوبية) في ميله التقليدي إلى
الألوان الناعمة الفاتحة النابعة من مدينة طفولته، وقدّم
مجموعة من الموديلات ذات الألوان الصارخة من حمراء وسوداء
قاتمة وصفراء وخضراء، والخارجة مباشرة من واجهة محل إسباني
في مدريد أو برشلونة لما تذكّر براقصات الفلامنكو أو من
ناحية ثانية بمصارعي الثيران، وكلها مميزة بتفاصيلها الدقيقة
المشغولة بدقة متناهية.
وجاءت تشكيلة جان لوي شيرير على يد المبتكر ستيفان رولان
أنيقة هوائيّة تكاد المرأة تحلّق في الجو إذا ارتدت موديلاتها
وتذكّرنا بأفضل أفلام العصر الذهبي في هوليوود. فالمرأة
لدى ستيفان رولان هذا الشتاء هي وريثة مارلين مونرو وآا
غاردنر ومارلين ديتريك.
وأرادت دوناتيلا فرساتشي الإلتزام بما اعتادت دارها فرضه
على المرأة منذ سنوات وإلى اليوم وهو الخصر الضيّق المصطحب
بقامة رشيقة جداً فقدمت مجموعة من الفساتين والأنسامبلات
المخصّصة للنحيفات والمجرّدة في الحقيقة من أي هوية مميزة.
وعثرنا في موديلات جورج شقرا على أحلى الصفات الأنيقة
النابعة من روح الشرق والممزوجة هنا بكلاسيكية باريس الأصيلة،
والنتيجة فعّالة وجميلة جديرة بالتصفيق.
الدول التي لا تعرف الشمس
وبالتالي يتّضح أن المبتكرين الأوروبيين
في تشكيلاتهم الخاصة بالموسم الشتوي 2002/2003 يودّون
تسليط الضوء على حبهم للشرق والغرب والجنوب والشمال من
خلال رسمهم موديلات ملوّنة زرقاء وحمراء وصفراء وبرتقالية
وبنفسجية توحي بالشمس من ناحية، ثم أخرى قاتمة تعتمد الفراء
والقماش السميك والقبعات المشغولة لإبراز مميزات الدول
التي لا تعرف هذه الشمس إلا في فترات وجيزة جداً من السنة،
وإن كانت هذه الصفة قد التصقت سابقاً بدور محدودة، فالأمر
تطوّر بوضوح ليمسّ العاملين في الموضة بشكل أعرض منذ الآن.
Chanel تحتفل بالموضة
كيف يُمكن تمييز أسلوب "شانيل" Chanel على
الفور من موسم إلى موسم، مع أنّ Karl Lagerfeld يجعل من
التغيير الدائم للأحجام، والتجديد المستمرّ للأكسسوارات
واجباً ومتعة في الوقت نفسه؟
في الجو الصاخب الذي تحدثه الموسيقى الحيّة لفرقة Electro-Pope،
قدّمت الألبسة مجموعة من عارضات أزياء طويلات القامة ونحيفات،
ترأسها دجاكيتا، كارولينا، لوكا، ناتاليا وماريا كارلا،
أجمل الفتيات في العالم، فتيات "الساعة" كما يصفهن Karl
Lagerfeld.
أربع وسبعون عارضة؟ كلاّ، أربعة وسبعون مظهراً، يتألّف
كل واحد من عناصر متعدّدة تمزج الألبسة القصيرة والطويلة،
الجلد والقماش الشفّاف، قماش "التويد" والترتر البرّاق،
ألبسة للنهار والليل. الشعار: "الكل في المزيج" وإذا أضفنا
تنوّع الأشكال وتعدّد الأكسسوارات، سوف ندرك أنّ الهدف
يكمن في جعل كلّ امرأة قادرة على أن تستمدّ من مجموعة
الألبسة اللانهائيّة هذه كلّ رغباتها المستقبليّة لكي
تبتكر مظهراً خاصّاً بها.
نموذج من هذا التنوّع: المعطف. يمكنك الإختيار: المعطف
المبطّن بالفرو العزيز على قلب Gabrielle Chanel والمصنوع
هنا من قماش "الدنيم" والمزوّد بفروٍ مجعّد ليعطي دفئاً
أكثر، أو المعطف المصنوع من الكشمير المجدول، الناعم والخفيف،
الذي يمكن ارتداؤه مع حزام أو من دونه، ثمّ الجديد هو
المعطف على شكل سترة من صوف محبوك تقابله سترة مناسبة
ذات أكمام ضيّقة جدّاً على الذراعين.
مظهر رئيسي آخر: السترة القصيرة للغاية، تبدو كأنّها سُلبت
من ألبسة أخٍ صغير، يمكن ارتداؤها مع تنّورة مبرومة من
الجلد أو "التويد". ويمكن ارتداء السراويل الضيّقة وذات
الخصر المنخفض مع قميص ضيّقة من دون أكمام ذات قبّة مقلوبة
من "التويد" الليّن. ثمّ، يظهر الفستان البسيط جدّاً من
دون قبّة والمصمّم على شكل مئزر والمصنوع من الكريب الساتاني،
من دون أكمام ولا أزرار، ويقفل بشكل متعارض مع حزام منخفض
عن مستوى الخصر.
أمّا بالنسبة إلى سترة Chanel لعام 2003، فإنّها تتخلّى
عن سحر البورجوازيّة المتحفّظ وتختار الحريّة: "غير متناسقة"
متعدّدة الإستعمالات، مصنوعة من الدنيم المخملي، أو من
"التويد" المزخرف بالترتر البرّاق أو باللآلىء، يمكن ارتداؤها
مع تنّورة أو سروال، في الصباح كما في المساء، لدى الأم
أو الإبنة على حد سواء بأناقة غير رسميّة.
تلقي هذه الأزياء المجزّأة الضوء على أقمشة وأكسسوارات
جديدة بأسلوب عصري. ويبقى قماش "التويد" المادة المفضّلة،
لأنّه نسيج متقلّب الألوان يعزّز مزيج الألوان، والرسومات
والبحث عن أنسجة جديدة. أمّا الترتر البرّاق باللون الأسود
الذي يُستعمل كالكشكش والذي يضيف التألّق إلى التنانير،
فيبرز قدراته على التكيّف. والجدير بالملاحظة: "التويد"
باللون الأسود المنقّط بقماش "التول" الأبيض. يمكن ارتداؤه
باستمرار، في سترة على شكل معطف، أو في تنّورة واسعة،
أو قميص ضيّقة من دون أكمام بقبّة عالية أو قميص بقبّة
منخفضة وأكمام طويلة. ومن جهّة أخرى، يتمازج بشكل رائع
مع اللون البنّي الموشّى، والبنّي الممزوج باللون الأزرق
المائل إلى لون الزمرّد والبنّي الداكن.
ويطغى الجلد بلونه الأسود. أمّا بالنسبة إلى "الدنيم"
المخملي، فيأتي بألوان ناعمة من اللون الأزرق والرمادي
الدخّاني.
لطالما كان القماش الشفّاف لدى Chanel الأبرز في الألبسة
المخصّصة للسهرات مع أنّه صعب في الخياطة. في فصل الخريف،
يبرز في الأمسيات على شكل فساتين قصيرة مع حزام على الوركين
معظمها من دون أكمام، والبعض منها مطرّز بالترتر، أو بشراريب
من اللآلىء.
وكما ورد في مجموعة الألبسة الرسميّة الفخمة Haute Couture
في الشتاء الماضي، تظهر سراويل باللون الأسود من القماش
الشفّاف التي يمكن ارتداؤها تحت تنّورة من "التويد"، وأخرى
تحت تنّورة مطرّزة بالترتر البرّاق.
في أي وقت من الأوقات، يمكن ارتداء قميص ضيّقة غير رسميّة
ومن دون أكمام ذات قبّة ضيّقة باللونين الأسود والأبيض،
أو قميص ضيّقة من قماش مطّاط تحت سترة أو سترة محبوكة،
ينعتها Karl Lagerfeld بأنّها ألبسة "ما بين رسميّة وغير
رسميّة".

|