لكن بعض الدراسات التي ظهرت العام الماضي
شكّكت في هذه النظرية وذهبت إلى حد ادعاء العكس، بالقول
إن "الفلورايد" يتسبّب في زيادة التسوّس، بل وهشاشة العظم
أيضاً. وقد استندت إلى دراسة ميدانيّة أجريت في جامايكا
وبيّنت أن وضع "الفلورايد" في المياه المخصّصة للشرب زاد
من نسبة الإصابة بالتسوّس.
غير أن هذه الدراسة كانت وحيدة، في مقابل عشرات الدراسات
التي تؤكّد فوائد المادة. مع أن نقطة مهمّة من هذه الدراسة
برزت في دراسات أخرى تتعلّق بنسبة "الفلورايد" التي يتمّ
تناولها والتي إن "زادت عن حدّها نقصت" كما يقول المثل
الشعبي، فالجرعات العالية المركّزة من هذه المادة تتسبّب
باصفرار الأسنان، وعلى الأقل، تمنع الفوائد التي بدأ اكتشافها
أخيراً في علاج مرض هشاشة العظم الذي يصيب بعض النساء
بعد سن اليأس.
في مقالة نشرت عام 1995 في مجلة "الطب الداخلي" العلميّة
المتخصّصة، أكّد تقرير هو خلاصة بحث أعدّه الدكتور تشارلز
باك وفريق عمله في جامعة تكساس أنّ العلاج ب "الفلورايد"
والكالسيوم، يقلّل حدوث كسور فقريّة جديدة لدى المصابات
بهشاشة العظام في سن اليأس وزيادة الكتلة العظمية لديهن.
وقد فتحت هذه الدراسة المجال أمام أبحاث إضافيّة حول استخدام
"الفلورايد" كعلاج محتمل لمرض هشاشة العظم، لكن هذا لا
يزال يحتاج إلى إثبات أقوى حول استعماله بأمان.
وقد أعطت دراسات أحدث أجريت حول "الفلورايد" نتائج تحتمل
الوجهين، فقد أثبتت هذه الدراسة أن "الفلورايد" يزيد من
كثافة العظم، لكنّه لم يقلّل من حدوث الكسور العظميّة
في العمود الفقري وغيره. وقالت الدراسة إنّه برغم أنّ
المادة تساهم في تحفيز بناء كتلة عظميّة جديدة، لكنها
عندما تعطى بجرعات كبيرة تؤدّي إلى بناء كتلة عظميّة هشّة
ومعرّضة للكسور.
وبعد هذه النتائج عمد الدكتور باك وفريق عمله إلى إجراء
دراسة ميدانيّة شملت 99 إمرأة بلغن سنّ اليأس ويعانين
مرض هشاشة العظم. وقد قسّمن مجموعتين، أعطيت إحداهما (48
إمرأة) جرعات يوميّة من "الفلورايد" عن طريق نظام التحرير
البطيء للدواء في الجسم. ودعمت هذه الجرعات بالكالسيوم.
فيما أعطيت المجموعة الثانية (51 إمرأة) جرعات الكالسيوم
مع حبوب زائفة. وقد أكّدت الدراسة أن 81 في المئة من المجموعة
الأولى لم يصبن بأيّ كسور جديدة مقارنة بنسبة 51 في المئة
من المجموعة الثانية. كما أن استخدام "الفلورايد" لم يؤدِ
إلى عوارض جانبيّة.

وقد عزا الدكتور باك هذه النتائج إلى عمليّة
"التحرير البطيء" للمادة في الجسم، بما يحافظ على مستويات
آمنة وفعّالة منها في الدم لمنع حصول كسور جديدة. ولم
يغفل فريق العمل في تقرير النتائج الأهمية الكبيرة لجرعات
الكالسيوم في تكوين الكتلة العظميّة القوية.
وخلص الباحثون إلى القول إن هذا العلاج لا يزال بحاجة
إلى مزيد من الأبحاث حوله، علماً أن "الفلورايد" الذي
استخدم في هذه الدراسات هو عقار تجريبي خاص يختلف عن "الفلورايد"
الموجود في الأسواق والذي لا يعطي النتائج نفسها.
ويقول الأطباء عموماً، إن "الفلورايد" مادة شديدة
الفائدة للأسنان "إذا أخذت بمقادير مناسبة"، ويؤكّدون
أنّها "تخفّف من حساسية الأسنان وتساهم في تخفيف نسبة
نخورها". ويذهب هؤلاء إلى حدّ توجيه النصيحة بتناول الأطفال
أقراص "الفلورايد" بدءاً من عمر السنتين حتى الست سنوات
في البلاد التي لا تحتوي فيها مياه الشرب على هذه المادة.
ويعتبرون أنّ الفائدة القصوى تكون بوضعها في الماء بنسبة
جزء إلى جزئين في المليون.
لكن هؤلاء لا ينصحون بتناول المرأة الحامل أقراص "الفلورايد"
خوفاً من ظهور بقع في أسنان الطفل بعد ولادته ونموّه.
ويجزم هؤلاء الأطباء أنّ "الفلورايد" ضروري، خصوصاً لدى
الأطفال. ويؤكّدون أنّه إذا تمّ تزويدهم هذه المادة خلال
فترة نمو الأسنان، فتصبح جزءاً من الأسنان، تقوّيها وتجعلها
أكثر قدرة على مقاومة التسوّس. ويقولون إن "الفلورايد"
يساعد أيضاً في إصلاح ميناء الأسنان الذي يتضرّر بفعل
الأسيد الموجود في الجير والذي يلتصق بالأسنان وتفرزه
بكتيريا موجودة في الفم.
ويضخ "الفلورايد" في مياه الشرب في الولايات المتحدة منذ
العام 1945، ومنذ ذلك الحين تعاقبت الدراسات التي تؤكّد
فعاليته في محاربة التسوّس إلى أبعد الحدود.
وفي العام 1993 نشرت مجلة "كاريس ريسرش" المتخصّصة نتائج
113 دراسة أجريت في هذا الخصوص حول مزج "الفلورايد" بالماء
في 23 بلداً. وأفادت أنّ نسبة الإصابة بالتسوّس انخفضت
فيها إلى النصف.
وفي المقابل، أظهرت الدراسات أنّ اعتماد الأهل على المياه
المعبأة بين العامين 1986 و1996 في الولايات المتحدة أدّى
إلى ارتفاع نسبة إصابات التسوّس. علماً أن
"الفلورايد" موجود طبيعياً في بعض أنواع المياه
المعدنية، ويعمد منتجو المياه إلى ذكر هذا في لائحة المواصفات
الملصقة على عبوة المياه.

"الفلورايد" والأطفال
يقدّر الأطباء الحاجات اليومية للأطفال
من المياه المحتوية على "الفلورايد" بين عمر الستة أشهر
وال 16 سنة بأربع إلى ست أونصات للحصول على حاجتهم من
هذه المادة، علماً أن نسبة "الفلورايد" في مياه الشرب
في الولايات المتحدة تراوح بين 0,7 و1,2 جزء في كلّ مليون.
وإذا لم يحصل الطفل على هذه الكمية، وجب إعطاؤه جرعات
إضافيّة، لكن يجب الإنتباه إلى الكمية لأنّ زيادتها عن
معدلها تؤدي إلى إصابة الأسنان بالبقع الصفراء.
وينصح الأطباء الأهل بشراء معجون الأسنان المحتوي على
"الفلورايد" والتأكّد من أن أطفالهم يستعملونه مرتين يومياً
على الأقل.
|