"كل شيء فن عندما ننجح في سبر أغواره. حتى
الذبابة والبعوضة والبخار ذات معنى".
إنّه مبدأ الفنّانة الشابة ماري جو رعيدي التي أقامت معرض
"كارد بورد أونيون" في المحترف الدائم لـ "درج الفن" في
الجميزة (بيروت)، وهو التجربة الأولى لها، وقد ضمّ 33
لوحة من صور مبعثرة. وحضر حفل الإفتتاح وزير الثقافة غسان
سلامة ووزير الدولة بشارة مرهج وشخصيّات، وذلك بدعوة من
جمعيّة إنماء منطقة الجميزة.
فنّ ماري جو فريد من نوعه، لا يشبه إلاّ نفسه. وحكايتها
مع الكاميرا مثيرة. هي والصورة توأمان. تحادثها، تناجيها،
تأخذ منها ما تراه بارزاً وتعيد تكوينه. تجمع الأضداد
وتمزج التناقضات وتبني على الإفتراضات، ثم تطلع بلوحة
أو صورة أو مشهد، كأنّها تخاطب نفسها عبر قصاصات كرتونيّة
يحمل كل منها جزءاً من حلم.
الأعمال في المعرض هي عصارة تلصيقات صور فوتوغرافية حوّلتها
الفنّانة الشابة عبر تركيبات فانتازيّة إلى موضوعات نسجتها
بعينها وخيالها. بالنسبة إلى ماري جو، الكاميرا توفّر
المادة الأوليّة التي تخصبها في تصوّراتها، حيث تفصل أو
تجمع بين المظاهر النافرة أو القبيحة.

تتحرّر من إطار الصورة ومحدوديّة الفكرة
لتلج عوالم ما وراء المشهد، كأنّي بها ترسم اللحظة وتؤرّخ
الساعة في برهة إنعتاق من المادي والمحسوس.
في هذا المعرض، العين تفكّك الجسد لإعادة تكوينه، ليس
كما هو، بل كما أرادته صانعته. أمام لوحات ماري جو، يحسب
الناظر نفسه في مرتبة وسطى بين الجد والمزاح، الواقع والخيال،
الما قبل والما بعد، متأرجحاً بين رؤية ورؤيا، بين لوحة
وصورة، ومشهد وإطار.
تقول الفنانة الشابة: "إنّه المعرض الإفرادي الأول الذي
اهتممت به من الألف إلى الياء، أعبّر فيه عن نفسي من غير
مساعدة أحد. وسبق أن إشتركت في معارض مع آخرين".
ولشدّة تعلّقها بكل ما هو فريد، إختارت تاريخ إفتتاح معرضها
في 2/2/2002، "لأن هذا التاريخ لن يتكرّر، ومن المفارقات
أن عدد درجات "درج الفن" الذي إستضاف المعرض هو 202".
في بطاقة الدعوة، كتبت الفنّانة: "لست أشوّه، بل أنطلق
من عمل لا شكل له وأكوّن. الصورة وحدها ربما لا تعني شيئاً،
لكنّها عندما تصبح في إطار مع صور أخرى هي أيضاً منفردة
وفاقدة المعنى، فأنّها تغدو لوحة متكاملة".
ولعلّ ما يميّز اللوحات أنّها شديدة التناسق، على تنافرها،
ومضبوطة إلى أقصى الحدود، على تضادها، وثرية بمفرداتها،
حافلة بالدلالات.
33 لوحة هي خلاصة سرعة البديهة عند فنّانة تقطف المشهد
المعبّر قطفاً من قلب الحياة، وتنحته نحتاً حتى يصبح لوحة
تضجّ بالمعاني. وكل ذلك عماده الخيال، كما تؤكّد ماري
جو: "كلّما جنحت المخيّلة صوب الأعالي. جاءت بمزيد من
الدهشة إلى أرض اللوحة، والفنّان الذي لا يتمتّع بمخيّلة
متوثّبة لا يستطيع أن يقدّم فناً أخّاذاً ، الخيال والفن
متلازمان".
وإلى التصوير، حبا الله الفنّانة الشابة موهبة الغناء
والعزف والكتابة الصحافيّة والشعريّة. فدرست البيانو ست
سنوات وكتب شعراً غنائياً وكانت لا تزال في التاسعة حين
لحّنت للمرّة الأولى. وأصدرت العام الماضي CD عنوانه It's
so hard.
متعة ماري جو الحقيقيّة هي الليل. فيه تعانق تأمّلها ووحدتها
وأفكارها، تكون صافية الذهن كالصفحة البيضاء. النهار يؤلمها
والشمس تقتلها وكل شيء في الضوء سخيف بالنسبة إليها. إنّها
تتعقّب كل ما هو خفي، تطارد السحر، وتلتصق بكل ما يحرّض
خيالها.
حقاً، إنّها صانعة التناقضات... المتناسقة.
|